تحليق بجناحي الحزن


صباح زوين ||

تحليق بجناحي الحزن



لغة سلمان مصالحة اقصاء للذات عن الذات وعن المتداول. تقدم نفسها إلى القارئ واثقة، هادئة، مختلفة وأعني بالاختلاف الاتجاه الثابت الذي يتبناه الشاعر في بناء تعبيره الذي يبدو أليفًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع صدامي وقاس. يشعرنا بقوة لغوية، كأنها ريح تهبّ عنيفة، غير مكترثة بالأثر الذي تخلّفه وراءها.

لغة سلمان مصالحة حصن يرفعه الشاعر في وجه ما يصدمه. لا يصف بل يقول أشياء الحياة من خلال نظرة عميقة تخالجها أحاسيس مكثفة ممزوجة بفكرة الموت والمجهول. لا يلجأ إلى الكلام على اليومي، وإن بدا في قراءة سريعة أنّه يتبنّى هذا النوع. ينطلق من صيغة فردية وفجائية، طائرًا منفردًا يحلّق في سماء القصيدة بجناحين طليقين. لا ينتمي الى سرب ولا يغرّد الا بصوته. يبحث قلقًا عن الحق "(...)بحثًا عن حقول اكتساح جديدة، عاد الى الغابة الوارفة، فلم يجد على الفرع اليابس عشًّا قديمًا، ولم تعرفه الشجرة (...) عشق السفر الى المجهول، أنبتَ الريش في جناحيه، الموت، والبحث عن صديقة".

يتألم الشاعر من غياب المكان والمعاني. كأنه يتنبه من خلال "الفرع اليابس" الى الواقع ومرارته، حيث لم تبق الأرض الأولى ثمينة الذكريات. إنّه "الموت في الوطن"، بل العيش في وطن المجهول، في أرض الغياب. الحنين يقتاد الشاعر أبعد من جغرافيته المادية، نحو مدارات تنتمي الى ماضٍ وإرث وذكريات. يرميه موج الزمن على شاطئ يعيده الى رمل البداية والبداوة، ويضعه في الوقت عينه في أحضان طبيعة لا تستقر في ذاته اذ لا تفصح له عن هويتها ولا عن حقيقة مداها: "خلسة، وكما عشق البداوة، كانت تهبّ عليّ رياح الجنون، تهبني من لدنها فرصة الاتّكاء على أصول النخل. وبخفّي حنين المطوّق طوق الحمام، كنت أعود الى رُبعي الخالي، إلاّ من الأمجاد البوالي".

إذا كانت الكتابة الشعرية لا تخلو من الحنين، فكل شاعر يعبّر عنه بلغته الخاصة، ويأتيه مصالحة متخففًا من أثقال الجوف وكثافته المضنية. يقول حنينه في "واقعية" ركيزتها نثر الفكرة في كلام واضح ومقتضب. لا يسترسل وينأى عن الحزن والكآبة. يتكئ على جذوره، يحلم بها، ولعلّه يحترق بشوق رؤيتها.

لكنّ مصالحة يرى نفسه كذلك ابن زمنه ومشاعر عصره فيبدو على غير اكتراث هل هو حقاً غير مكترث؟ إن بدا احيانًا متحرّرًا من الفيض الداخلي، فإنه يتدفق أحيانًا أخرى بشلال من الانفعالات الكافية لإشعال الصور. ورغم ذلك، لا يغفل عن مراقبة لغته كي لا تتعدّى الحصن المكين الذي بناه، وكي تبقى اللغة ضمن السور الجمالي المصقول صقلاً رهيفاً: "حين أستلقي على الظهر بلا قاعٍ يَقيني من شجوني، لا أرى فوقي سوى الليل الّذي أسدلته وشظايا من بلاد البدء دوني. إنْ أنا جئت لأبني فيك بيتًا من هوانا، فاحفظي البيت وكوني".


(*) "خانة فارغة" لسلمان مصالحة ، صدر في منشورات "زمان"، القدس، .2002

نشرت: "النهار" أدب فكر وفن / الاربعاء 26 حزيران 2002
***

مشاركات:


 

أطلق الموقع في أكتوبر 2008
______________

عدد زيارات منذ الإطلاق

blogger statistics